عثمان بن جني ( ابن جني )
382
الخصائص
كان قلبها مسببا عن الكسرة أن يتناهوا في إعلامنا ذلك بأن يعيدوها واوا مع زوالها . وإنما غالب الأمر ومجموع الغرض القلب لها ؛ لما يعقب من الاسترواح إلى انقلابها . فكأنّهم قنّعوا أنفسهم بتصوّر القلب في الواحد لمّا انتقلوا عنه إلى الجمع ؛ ملاحظة لأحواله ، ومحافظة على أحكامه ، واسترواحا إلى خفّة المقلوب إليه ، ودلالة على تمكّن القلب في الواحد ، حتى ألحقوه بما أصله الياء . وعندي مثل يوضّح ( الحال في ) إقرار الحكم مع زوال العلّة ، على قلّة ذلك في ( الكلام ) ، وكثرة ضدّه في الاستعمال . وهو العود تقطعه من شجرته غضا رطيبا ، فيقيم على ذلك زمانا ، ثم يعرض له فيما بعد من الجفوف واليبس ما يعرض لما هذه سبيله ، فإذا استقرّ على ذلك اليبس وتمكّن فيه ( حتى ينخر ) لم يغن عنه فيما بعد أن تعيده إلى قعر البحر فيقيم فيه مائة عام ؛ لأنه قد كان بعد عن الرطوبة بعدا أوغل فيه ، حتى أيأس من معاودته البتّة إليها . فهذه حال إقرار الحكم مع زوال العلّة ، وهو الأقلّ في كلامهم . وعلى طرف من الملامحة له قول اللّه عز وجل : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [ يونس : 91 ] . ومنها أنهم قد قلبوا الواو ياء قلبا صريحا لا عن علّة مؤثّرة أكثر من الاستخفاف ؛ نحو قولهم : رجل غديان ، وعشيان ، والأريحيّة ، ورياح ، ولا كسرة هناك ، ولا اعتقاد كسرة فيه قد كانت في واحده ، لأنه ليس جمعا فيحتذى به ويقتاس به على حكم واحده . وكذلك قول الآخر : * جول التراب فهو جيلانىّ " 1 " * فإذا جنحوا إلى الياء هذا الجنوح العاري من السبب المؤثّر سوى ما فيه من الاسترواح إليه ، كان قلب الأثقل إلى الأخفّ وبقاؤه على ذلك لضرب من التأوّل أولى وأجدر .
--> ( 1 ) الرجز للعجاج في ديوانه 1 / 486 ، وجمهرة اللغة ص 493 ، وتاج العروس ( 23 / 191 ( خرف ) وقبله : جرّ السحاب فوقه الخرفى * ومردفات المزن والصيفي ويروى : ( جولانى ) مكان ( جيلانى ) . جول التراب : انتشاره . يوم جيلانىّ وجولانىّ : كثير التراب والريح .